من هو بارباريز قائد الحلم البوسني؟
في 17 سبتمبر من العام 1971 ولد سيرجي بارباريز، مدرب منتخب البوسنة الأول لكرة القدم، في مدينة موستار جنوب البوسنة والهرسك.
والده ذو الأصول الصربية لوبو كان لاعب كرة قدم محلي، بينما والدته زلاتا ذات الأصول الكرواتية كانت لاعبة كرة يد بارزة في موستار.
وعلى الرغم من هذه البيئة الرياضية المحيطة به، لم يكن الطفل سيرجي في بداياته مفتونًا بكرة القدم، إذ كان يحب ألعاب القوى وتخصصه المفضل كان سباق 400 متر، غير أن صعوبة الحصول على حذاء رياضي مناسب في يوغوسلافيا آنذاك جعلت من كرة القدم الخيار الأيسر، حين وجد نفسه أمام صندوق أحذية قديمة وأمرٍ واحد: ابحث عن زوج يناسب قدميك.
انضم بارباريز عام 1984 إلى أكاديمية شباب نادي فيليز في موستار، وهو النادي الذي يرتدي اللون الأحمر ويُلقَّب بـ«المولودون»، وقّع بارباريز عقده الاحترافي الأول مع فيليز وهو في سن 19، إلا أن استدعاءه إلى أداء الخدمة العسكرية في الجيش الشعبي اليوغوسلافي بزغرب جاء ليقطع المسيرة في مهدها.
وبعد عودته إلى موستار عام 1991، لم تطل إقامته في مسقط رأسه، إذ زار عمه المقيم في هانوفر الألماني خلال ذلك العام، وكان يظن أن الزيارة لن تتجاوز أسبوعين، إلا أن عمه دبّر له أمرًا آخر تمامًا.
يتذكر بارباريز اليوم الذي غيّر مجرى حياته بعد وصوله إلى ألمانيا حين قاده عمه إلى ملعب كرة قدم صغير في الحي وسلمه إلى المدرب الشهير فرانك باجلسدورف الذي أيقن أنه حصل على موهبة استثنائية.
أدى بارباريز أول تدريب له مع باجلسدورف بحذاء رياضي عادي لا بحذاء كرة قدم، وأبهر المدرب من اللحظة الأولى فوقّع له عقدًا في الحال.
تصاعد منحنى الأزمة السياسية في يوغوسلافيا بسرعة، وفي أبريل 1992 اندلعت الحرب في موستار، فلجأ والد بارباريز وأخته مع خطيبته آنا إلى هانوفر قبل شهر من اندلاع القتال، في حين بقيت والدته زلاتا في موستار طوال سنوات الحرب.
لعب بارباريز مع هانوفر 96 حتى عام 1993، ثم انتقل إلى يونيون برلين حيث قضى ثلاثة أعوام من 1993 إلى 1996، ثم انضم إلى هانزا روستوك لموسمين متتاليين.
وفي عام 1998 انتقل بعدها إلى بوروسيا دورتموند بما يعادل نحو مليون يورو على الرغم من أن بايرن ميونيخ أبدى اهتمامًا به أيضًا، غير أن موسمه في دورتموند لم يكن على المستوى المأمول إذ سجّل هدفين فقط طوال الموسم.
انتقل بارباريز عام 2000 إلى هامبورج بما يقارب مليوني يورو، وكان ذلك التحول الأهم في مسيرته، إذ قضى مع النادي ستة أعوام ظهر خلالها في 174 مباراة وسجّل 65 هدفًا.
وتبقى ذروة تلك المرحلة موسم 2000ـ2001 حين سجّل 22 هدفًا وشاطر الدنماركي إيبه ساند لقب الهداف في الدوري الألماني.
ومن اللافت أن المدرب الذي رافق مسيرته بشكل استثنائي كان باجلسدورف نفسه، الذي أشرف على تدريبه في هانوفر ويونيون برلين وهانزا وهامبورج على التوالي، وهو ما جعل بارباريز يصفه بالموجه والمعلم.
في عام 2001 أعلن المدرب الألماني بيرتي فوجتس تفكيره في استدعاء بارباريز للمنتخب الألماني، فجاء رد بارباريز فوريًا ودون تردد: «أنا لست ألمانيًا، أنا من موستار».
وقبل ذلك كانت ثمة عقبة من نوع آخر، إذ اشترط بارباريز حصوله على ضمانات بسلامة والدته زلاتا قبل أن يوافق على ارتداء قميص المنتخب، وذلك على خلفية تهديدات وجّهها له القوميون في موستار بسبب نيته تمثيل البوسنة والهرسك.
سجّل بارباريز أول ظهور له مع المنتخب البوسني في عمر 27 عامًا، وكان ذلك في 14 مايو 1998 في مباراة ودية على أرض الأرجنتين في كوردوبا انتهت بخسارة 0ـ5، وخلال مشواره مع المنتخب خاض 47 مباراة وسجّل 17 هدفًا، موزعة على شباك فرنسا والدنمارك وبلجيكا وإيرلندا الشمالية والنمسا والمجر وويلز وسان مارينو وغيرها.
في أكتوبر 2005 شهدت ملعب ماراكانا في بلجراد واحدة من أكثر لحظاته خلودًا، حين تعرّض مشجعو البوسنة لاعتداء واسع بالحجارة والمقاعد المقتلعة من المدرجات، فيما تجاهل الحكم اليوناني كيروس فاساراس كل تحذيرات الكابتن بارباريز وطلباته بإيقاف المباراة.
بعد انتهاء تلك المباراة الفاصلة ضد صربيا والجبل الأسود التي أسقطت أمل البوسنة في التأهل لمونديال 2006، صُوِّر بارباريز واقفًا بيديه على وركيه يتأمل الملعب في صمت، وهي الصورة التي أقدم لاحقًا على وشمها على صدره.
في 5 يناير 2010 حصل بارباريز على رخصة التدريب من الاتحاد الأوروبي UEFA، بعد إتمامه برنامج التأهيل التدريبي في مدينة جابلانيتسا. غير أن طموحه في قيادة المنتخب اصطدم بعقبة سياسية مبكرة، حين أعلن في ديسمبر 2009 رغبته في تولي منصب مدرب المنتخب لتصفيات يورو 2012، إلا أن اتحاد جمهورية صرب البوسنة حجب ترشيحه آنذاك وجرى اختيار صافت سوشيتش بدلًا منه.
وفي أبريل 2024 عيّن الاتحاد البوسني لكرة القدم بارباريز مدربًا للمنتخب الوطني، ليعمل جنبًا إلى جنب مع زميله السابق في المنتخب إمير سباهيتش بوصفه مديرًا للمنتخب.
جاء قرار التعيين عقب استقالة مدرب المنتخب السابق سافو ميلوشيفيتش، وأعلن بارباريز منذ بداياته عن رؤية مغايرة في البناء والتطوير.
قاد بارباريز المنتخب في تصفيات كأس العالم 2026، وحين جاءت مرحلة ملحق التأهل ضرب أحسن مثال على منهجية القراءة التكتيكية لمواجهة الكبار، إذ خاض المنتخب في المرحلة شبه النهائية مباراة ضد ويلز في كارديف وأقصاه بعد ركلات الترجيح، ليحجز بذلك مكانه في نهائي الملحق في الزنيكا أمام إيطاليا.
الثلاثاء ،على ملعب بيلينو بوليه في الزنيكا، انتهى الوقت الأصلي والإضافي بالتعادل 1ـ1، ليُحسم المصير على ركلات الترجيح في مشهد درامي، انتهت بفوز البوسنة 4ـ1 في الطليان.
حقّق المنتخب بذلك تأهله الثاني في تاريخه لكأس العالم بعد 2014 في البرازيل، ليضرب موعدًا مع كندا وقطر وسويسرا في المجموعة B من نسخة 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، أما إيطاليا فسقطت للمرة الثالثة على التوالي خارج التصفيات المؤدية إلى المونديال.
بعد صافرة النهاية وقف بارباريز هادئًا كالجليد على الرغم من الجنون من حوله في المدرجات والملعب وكأنه يقول إن الأفضل لم يأتِ بعد.
