النصيري.. رهان لارجيت الذي أبكى رونالدو

القاهرة ـ أحمد مختار 2026.02.05 | 04:01 pm

لم تكن طفولة يوسف النصيري في حي بن دباب الشعبي الفاسي مليئة بالألعاب الإلكترونية أو الملاعب المعشبة، بل كانت كرة مطاطية مهترئة تتراقص بين الأقدام العارية، وصوت أمه يناديه للعودة قبل حلول الظلام، ونظرة أبيه الصامتة التي تحمل مزيجًا من الفخر والقلق على مستقبل ابنه.
كان يوسف يحلم، لكن الظروف كانت أقسى من الأحلام.
أسرة بسيطة لا تملك ما يكفي لتسجيله في نادٍ كبير، فظل يركل الكرة في الشوارع، يتعلم من الصعاب كيف يقفز عاليًا، كيف يصمد، كيف لا يستسلم.
جاءت تلك الصدفة التي غيّرت كل شيء: كشافو المغرب الفاسي رأوه في بطولة شعبية صغيرة، ورأوا في عينيه نارًا لا تنطفئ.
في سن الثالثة عشرة، دخل أبواب النادي أخيرًا... خطوة أولى نحو ما سيصبح أسطورة.
ثم جاءت أكاديمية محمد السادس، حيث التقى ناصر لارجيت المدير الرياضي في اتحاد القدم السعودي الذي آمن بقدراته الخارقة.
أربعة أعوام من التدريب الشاق، الدعم النفسي، الوجبات المنتظمة التي لم يعرفها من قبل... ثم الرحيل إلى إسبانيا، إلى ملقا، ثم ليجانيس، وأخيرًا إشبيلية.
كل خطوة كانت تحمل ذكرى الأزقة، ذكرى دموع أمه الخفية حين كان يغادر المنزل بحثًا عن فرصة.
عام 2020، رفع يوسف كأس الدوري الأوروبي مع إشبيلية، في تلك اللحظة، لم ينشر صورة الكأس فقط... بل وضع بجانبها صورة قديمة له طفلًا بملابس بالية، واقفًا بجانب والديه في حي بن دباب، كتب بقلبه قبل يديه: «تحقيق الأشياء الجيدة رائع... لكن تحقيقها بعد تجاوز كل الصعاب أروع. فخور بالبدايات والعمل الجاد. لا طريق آخر».
اللحظة الأعظم كانت في الدوحة، ديسمبر 2022، ربع نهائي كأس العالم، البرتغال أمام المغرب. كرة مرفوعة... ويوسف يطير، قفزة تاريخية، ارتفاع يفوق الخيال، رأسية تهز الشباك وتسقط رونالدو وأحلامه.
الملعب يهتز، لم يركض يوسف نحو الجماهير أو الزملاء أولًا... بل رفع قميصه ليكشف عن قميص آخر تحته، يحمل صورة والده ووالدته مبتسمين.
نظر إلى السماء، ثم إلى المدرجات حيث كانا يبكيان من الفرح.
اقترب من والده، احتضنه بقوة، ودموع الأب تسيل على كتف الابن الذي خرج من الفقر إلى القمة. في تلك اللحظة، لم يكن يوسف مهاجمًا فقط... كان ابنًا بارًا يرد الجميل لمن ضحيا من أجله.
بعد أعوام، في فبراير الجاري، ترك يوسف كل شيء في إسطنبول، وغادر فنربخشة، إلى جدة، عروس البحر الأحمر. هدفه واحد، اللحاق بتدريبات الاتحاد، ودخول تشكيلة سيرجيو كونسيساو، والوقوف في «كلاسيكو» الجولة الـ 21 أمام النصر.
النصيري «28 عامًا» ما زال يحمل في قلبه أزقة فاس، وصورة والديه تحت القميص، ووعدًا داخليًا.. أن يظل وفيًا، بارًا بوالديه، سخيًا مع الفقراء الذين كان يومًا واحدًا منهم.