جمهور النصر.. جمهور ماجد وجمهور رونالدو..!!
لصناعة شعبوية كرة القدم وجمهورها المتلهف، عوامل كثيرة تتشعب فيها دوائر متداخلة كلعبة طفولية يصعب الخروج منها.. هناك بالطبع البطولات.. هناك التوريث العائلي أو الاجتماعي أو حتى العرقي.. هناك النجوم، وهذا السبب المؤثر هو ما يجعلنا نسعى جاهدين للوصول إلى تلك المصادر الواقعية التي جعلت ناديًا سعوديًا يدعى النصر يحتشد وراءه الآن ملايين المناصرين والمحبين.
ظل النصر منذ تأسيسه الحقيقي على يد باني ثقافته الوجودية الراحل الكبير الأمير عبد الرحمن بن سعود، النادي المتلحف بقلوب خفاقة تميل لألوانه الصفراء الثابتة كما تميل أشرعة قارب صغير يكابد الأمواج العاتية على ظهر المحيط الهادي في يوم عاصف.. النصر صنيعة النجوم.. هذه هي الحكاية..!!
ربما لا تتطابق بناء قواعد النصر البشرية، مع أضداده ومناهضيه من الأندية السعودية الأخرى.. هؤلاء الآخرون ثبتوا جماهيريتهم من وراء مقومات وظروف وتراتبات غارقة في الكلاسيكية المعتادة.. لولا أن النصر فعليًا ارتكز طويلًا على جماهيرية النجم المتفرد ليمهد الطريق لمدرجاته حتى تكتظ بالملايين.
لا يتوقف عشق اللاعب الأسطوري عند أرقامه وحدوده وإنجازاته الشخصية، لأن كرة القدم بطبيعتها لعبة جماعية تعترف بالقدرات الفردية من خلال المجموعة، وهذه واحدة من أوجه واثقة جعلت منها لعبة لا يمكن زحزحتها عن القمة بين أقرانها.. حين اختار الأرجنتيني المتمرد أرماندو دييجو مارادونا الدفاع عن اللون السماوي لنادي الجنوب الإيطالي، ما كان حينها نابولي معروفًا خارج محيطه.. لا أحد يتابعه أو يهتم به سوى أبناء المدينة الغافية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط واحتلها الكثير من الغزاة عبر التاريخ الطويل، حتى وصلها مارادونا واحتل مشاعر
أهلها وأفئدتهم منذ أربعين عامًا.. ما كان نابولي كفؤا لمعاركة أندية الشمال الثرية، لكن حين سجل معه مارادونا ذاك الحضور الوثاب، الذي تغيرت بعده كل فلسفات كرة القدم وأساليب النظر إليها، بات نابولي رمزية كروية تولي بواصل التأييد أوجهها شطره.. دخل رسميًا بين الأندية التي ستجد لها من يهواها، ويحبها حبًا جمًا في مشارق الأرض ومغاربها.. حين انتزع لقب الدوري في الثالث والعشرين من مايو للعام 1987، ذهب الطليان النابوليين إلى المقابر وكتبوا على أضرحة موتاهم تلك العبارة الخالدة والموغلة في أدبيات الفقد والفخر والفرح:«لو تعلمون ما فاتكم».. يقولون لهم إن فريق مدينتهم فاز بالدوري على يد الأعجوبة مارادونا.. كان حدثًا أسطوريًا هز عوالم
كرة القدم وعقول متابعيها ونقادها وجماهيرها.. كيف للاعب واحد فقط أن يفعل كل هذا.. كان معه جوقة من اللاعبين العاديين الذين لا أحد يعرفهم أو يتذكر وجوههم.. فيما تحصن اليوفي بقيادة الداهية الفرنسي ميشيل بلاتيني بأغلب نجوم المنتخب الإيطالي الذي كان يعد حينها الأكثر قوة في القارة العجوز.. المنافس الآخر ميلان تسلح بأخطر ثلاثي هولندي حين جمع ريكارد وباستن وجوليت مع بقية أسماء دولية معروفة في إيطاليا والبرازيل وأوروبا.. قهرهم مارادونا، وكتب التاريخ كما يفعل قادة الحروب الدامية في انتصاراتهم من أجل الحق واليقين..
وقبل هذا أخذ نابولي ليكون ضوءًا يجابه الظلام والنسيان والتجاهل.. أقحم نابولي في حكايات المحبين الوافدين.. قبله كان جمهور نابولي سائق تاكسي في المدينة، وصانع بيتزا، وعامل مصنع أحذية، وطبيب عيون في عيادة مطلة على شواطئ نابولي، ومدير فندق من ذوي الثلاث نجمات أغلب ضيوفه يأتون لزيارة ذكريات أجدادهم التي مروا عليها في حُقب مجهولة.. هذا قبل مارادونا.. بعد مارادونا تغيرت تركيبة الجمهور النابولي.. هناك الإنجليزي الذي أوجعه مارادونا بهدف القبضة الكاذبة، لكنه أسعده فيما بعد حينما أبكى الألمان في موقعة المكسيك تحت أشعة
الشمس الحارقة.. هناك البرازيلي المتعصب للجمال بعيدًا عن شحناء لا تنتهي بين القوتين اللتين تحكمان اللعبة في آفاق أمريكا الجنوبية.. بالطبع الأرجنتين سارت عن بكرة أبيها وراء نابولي من أجل ذاك المارد.. هناك العربي الذي تستأنس جوارحه بالمهارة الفذة، ووجد نابولي جاهزًا للعشق من أجل مارادونا أيضًا.. لقد رسخ مارادونا عبر نابولي عملية أن يعشق النجوم أولًا، ثم ينظر بشأن أنديتهم.. فعلها على مرأى العالمين أجمعين.
هنا حيث كانت الكرة السعودية تخطو خطوات البداية نحو الثبات في مرسومية المجد والإنجاز والمنافسة والتحدي والشخصية الجوهرية لتفاصيل كرة قدم تستحق المتابعة والتزاحم حولها، كان ماجد عبد الله يثبت موقعه الأسطوري كرجل الملعب الأول حاملًا لواء الريادة في تزعم جيل صنع المعجزة وحقق أهم وأعظم لقب كروي سعودي بالفوز المستحيل وانتزاع كأس الأمم الآسيوية عام 1984.. ماجد اللاعب الجماهيري الأهم في المشوار الكروي السعودي.. حقيقة مطلقة عصية على الإنكار.. حتى النصراويين أنفسهم لا يخجلون من تواردها على ألسنتهم بدافع العشق الممنوع.. برزت عبارة «ماجد ورطنا وراح» كشعار يرفعه أولئك الذين وقعوا في شراك محبة النصر من
وراء ماجد وأهدافه، في كل انتكاسة تضرب مواقع «بنو نصر».. يشجع النصر الكثيرون، لكن ماجد هو العلامة الأوضح في ارتباط هؤلاء النصراويين بالفريق الوحيد بين الكبار الذي لم يغير شعاره الأصفر واسمه، منذ خرج إلى العالم وحتى هذه اللحظة.. شجع النصراويون فريقهم، بعضهم بسبب عبد الرحمن بن سعود لتفرده بكاريزما لا يمكن تقليدها أو تكرارها.. بسبب الأداء الهجومي الذي انتهجه مطلع الثمانينيات مدربه البرازيلي شيكو فورميجا، حين قدم أسلوبًا حديثًا على السعوديين يعتمد خلاله الارتداد السريع في بناء الهجوم المضاد، الأمر الذي كان فيه النصر يقدم
متعة صاخبة وأهدافًا كثيرة هزت أسماء كبيرة بالأربعات والخماسيات وانتهى به المطاف محققًا ثنائية الدوري والكأس كحادثة استثنائية حينها عام 1981 .. الأسباب كثيرة.. لكن ماجد هو أول لاعب سعودي يصنع له جمهوره الخاص بعيدًا عن ناديه.. كثر من الهلاليين والاتحاديين والأهلاويين فضلًا عن بقية الأندية، لا يجدون حرجًا في التصريح الواضح والاعتراف المكشوف بأيقونية ماجد كلاعب لن يمر من هنا أحد مثله.. ظلت كثير من الأصوات سنين عددا تعاير النصراويين، وتنتقص من مكانة ناديهم بذريعة أنه لا يملك سوى جمهور ماجد.. هي حقيقة أو
نصف الحقيقة.. الذين شجعوا النصر من أجل ماجد ورثوا هذا الحب لأبنائهم، فلم تتوقف العملية الارتباطية بنهاية ماجد في أواخر التسعينيات من القرن الماضي.. سلسلة تتشابك حلقاتها، وحبال ممتدة بخيوط متينة.
هي كرة القدم التي جعل منها مارادونا وجبة عشاء ساخنة داخل مطعم بائس في أحد الأحياء النابولية الفقيرة.. هي التي جعل منها ماجد عبد الله أغنية تصلح للتغزل بالغيوم السابحة وراء القمر الخجول مع كل هدف يهز شباك الخصوم برأسية ماجدية نادرًا ما تضل طريقها.
الآن جاء رونالدو.. كريستيانو رونالدو.. حين تقول داخل مجلس غاص بمن يمكن تسميتهم مجازًا بالخبراء الكرويين، إن البرتغالي رونالدو هو اللاعب الأعظم في تاريخ كرة القدم، فربما تجد من يعارضك وفقًا لقواعد الذائقة العامة.. ربما يقال لك مارادونا.. يقال بيليه.. يقال ميسي.. يقال ويقال.. لكن لا أحد منهم سيقول لك إن رأيك غريب وعاطفي ومتطرف.. أبدًا أبدًا.. منذ وطأت قدماه ملعب النصر واصطكت المدرجات بأكملها لاستقباله يوم الثاني من يناير للعام 2023 .. ما كانت تلك طقوس تعرفها الأندية السعودية.. يقدم اللاعب الجديد مهما علا اسمه بالتدريب الاعتيادي، أو أول مباراة يشارك فيها.. رونالدو كان حدثًا غرائبيًا.. أساسًا فكرة التعاقد معه أشبه بحلم ظهيرة.. جاء وتناقل العالم كله الحدث المزلزل.. رونالدو لاعبًا للنصر السعودي.. كانت ضربة مدوية
أربكت وسائل الإعلام ووكالات الأنباء والقنوات والمحطات وعالم «السوشال ميديا».. واحد من عظماء اللعبة في النصر.. هذا كل شيء.. هناك تفاصيل صغيرة وكبيرة.. هناك مسببات وأسباب.. هناك قصة مفاوضات.. هناك بداية ونهاية.. الأهم انتهى..
رونالدو نصراوي.. كما هو مارادونا في نابولي.. الفرق أن مارادونا جاء لفرقة مغيبة عن العالم وليس لها إلا نزرًا قليلًا من البقاء في تعداد من يشبهون ملامحها.. فيما جاء رونالدو لفريق له موضعه في محيطه.. يصبغ النصراويون على فريقهم لقب العالمي اعتمادًا على أسبقيته السعودية والآسيوية في المشاركة العالمية التاريخية عام 2000 في أول بطولة عالم للأندية..
كانوا يريدون القول لأضدادهم إننا بتنا فريقًا ينافس أعتى فرق العالم مثل ريال مدريد، والعالم كله شاهدنا وعرفنا.. ما كان يخطر ببالهم أن يرتدي قميص فريقهم الأصفر لاعب عالمي فعلًا.. دون تفاخر ودون دعايات أو إعلانات.. فعلًا النصر فريق عالمي، لأن لاعبه كريستيانو رونالدو.. ربما لم تحسم بشكل قاطع هوية الفريق السعودي الأكثر جماهيرية.. لكن النصر بوجود رونالدو
بين لاعبيه منذ سنوات ثلاث بات الأكثر جماهيرية بين الأندية السعودية على مستوى العالم.. من هو أشهر نادٍ سعودي؟...
لماذا.. الإجابتان واحدة أوضح من أختها.. الأسبوع الماضي جمعتني جلسة سريعة مع صديقين هلاليين.. قال أحدهما إن تأثير رونالدو فاق الوصف، ويعترف أن أبناء شقيقته تحولوا من تشجيع الهلال إلى تشجيع النصر بسبب رونالدو.. كيف يستقبل النصر في طهران وطوكيو وبومباي.. كيف تملأ ألوانه معاليق القمصان في شوارع إسطنبول ولندن وفيتنام.. تتدفق عبر الإنترنت مئات اللقطات عن صبية وشبان يرتدون قميص النصر في كل بقعة على وجه هذه المعمورة.. بائع متجول داخل سوق شعبي في عاصمة إفريقية يرتدي القميص النصراوي الأصفر موسمًا بالرقم الكريستياني.. مدرسة في قرية مصرية بثت مشاهد لمباراة نهائية بين فصولها اتخذ أحد الفريقين من شعار النصر ما يميزه عن غيره.. يروي عشرات النجوم الكبار حول العالم إعجابهم وتعلقهم بلاعب النصر السعودي كريستيانو رونالدو.. قيل للنصراويين كثيرًا إن هذه الهالة التي تحيط بفريقكم، ليست سوى صدى يطارد لاعبًا أوشك على الاعتزال.. لا جدال في هذا.. ولا جدال أن رونالدو لاعبًا للنصر السعودي.. ارتدادات ما خلفه مارادونا في نابولي، وما تركه ماجد في النصر يتكرر الآن أمام أعينكم لكن هذه المرة بطريقة أشمل وأوسع وأكثر صمودًا وتمركزًا..
رونالدو هذه الأيام القضية التي أشغلت كل وسائل الإعلام الرياضي العالمي، فلم يعد انقطاعه عن مباريات النصر حدثًا عابرًا كما يغيب أي لاعب.. النصر أشهر نادٍ سعودي على الإطلاق، والسبب رونالدو.. أكثر نادٍ يملك جماهيرية حول هذا العالم..
بالفعل السبب رونالدو..
ستمضي هذه الأيام في حياة البشر، كسحابة صيف لا تعرف أين تنتهي بها الآماد.. بعد أعوام طويلة، ربما تسمع مسؤولًا في بلد بعيدة يتحدث عن النصر السعودي بكثير من المحبة الودودة لأنه ارتبط به منذ أيام رونالدو.. إنها واقعية كرة القدم التي ليست مجرد تسعين دقيقة.. ليست مجرد جلد منفوخ تتقاذفه أقدام فوق عشب أخضر.. إنها امتداد لا ينقطع من تجليات الحياة وتقلباتها حتى صارت هي وحدها من لديها القدرة الفائقة على تأكيد المؤكد بأن التاريخ يعيد نفسه دون النظر إلى تعرجات الجغرافيا.. مارادونا وماجد ورونالدو.. هل يحتاج التاريخ قبل أن يعيد نفسه إلى دليل أكثر من هؤلاء الثلاثة؟